الغزالي
203
إحياء علوم الدين
فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال ، وعرف غاية المقصود منها ، فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل ، إلا وهو عالم بمقصوده ، وعالم بحظه ونصيبه منه ، وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت والكسوة حتى لا يهلك . وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال عنه ، وفرغ القلب ، وغلب عليه ذكر الآخرة ، وانصرفت الهمة إلى الاستعداد له . وإن تعدى به قدر الضرورة ، كثرت الأشغال ، وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية . فتتشعب به الهموم . ومن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا ، فلا يبالي الله في أي واد أهلكه منها . فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا وتنبه لذلك طائفة ، فأعرضوا عن الدنيا ، فحسدهم الشيطان ، ولم يتركهم ، وأضلهم في الإعراض أيضا ، حتى انقسموا إلى طوائف ، فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة ، والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها ، سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد ، فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم ، للخلاص من محنة الدنيا ، وإليه ذهب طوائف من العباد من أهل الهند ، فهم يتهجمون على النار ، ويقتلون أنفسهم بالإحراق ، ويظنون أن ذلك خلاص لهم من محن الدنيا . وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص ، بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية وقطعها عن النفس بالكلية ، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب . ثم أقبلوا على المجاهدة وشددوا على أنفسهم ، حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة ، وبعضهم فسد عقله وجن ، وبعضهم مرض وانسد عليه الطريق في العبادة ، وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية ، فظن أن ما كلفه الشرع محال ، وأن الشرع تلبيس لا أصل له ، فوقع في الإلحاد . وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله ، وأن الله تعالى مستغن عن عبادة العباد ، لا ينقصه عصيان عاص ، ولا تزيده عبادة متعبد . فعادوا إلى الشهوات ، وسلكوا مسلك الإباحة ، وطووا بساط الشرع والأحكام ، وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم ، حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد . وظن طائفة أن المقصود من العبادات المجاهدة ، حتى يصل العبد بها إلى معرفة تعالى ، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل ، وبعد الوصول يستغنى عن الوسيلة والحيلة ، فتركوا السعي والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف ، وإنما التكليف على عوام الخلق . ووراء هذا مذاهب باطلة ، وضلالات هائلة ، يطول إحصاؤها إلى ما يبلغ نيفا وسبعين فرقة . وإنما الناجي منها فرقة واحدة ، وهي السالكة ما كان عليه